لماذا اقرأ الروايات الخيالية؟

صادفت عن طريق الانترنت بعض القراء الذين يعتبرون قراءة الروايات عموماً وما هو خيالي منها خصوصاً مضيعة للوقت واهداراً لطاقة القراء، الأمر الذي يحتوي على الكثير من التسفيه والتحقير لذوق العديد من القراء في العالم ناهيك عن تسفيه وتحقير كل هذه الابداعات الأدبية العظيمة، وقد برر بعضهم هذا الهجوم بتلبد سماء الوطن العربي بغيوم العديد من الكوارث البشرية غالباً، وكنت أنوي تجهيز مرافعة دفاع محترمة عن أدب الرواية وعن كتابه بتجهيز مادة ضخمة عن علاقة الادب بالسياسة على مدار التاريخ، لكني انشغلت عن الأمر وعندما تمكنت من استجماع تركيزي ثانية للعمل عليه وجدت ان هناك من تفضلوا بنشر أبحاث ودراسات علمية جيدة عن فوائد قراءة الروايات.
لكن ولأن بعض الذين أعلنوا هذا الهجوم منذ البداية (البعض وليس الكل) أرادوا منه فقط ادعاء أنهم أفضل وأكثر ثقافة من قراء الرواية فقط عادوا لحصر وتكثير هجومهم على نوعية واحدة من الروايات وهي الروايات الخيالية.
وبما أني حالياً منهمكة في قراءة ثلاثية سيد الخواتم للعبقري جون رونالد رويل تولكين بعد انتهائي من الهوبيت فقد قررت أن الوقت قد جاء ليلقي قراء الخيال بعض الضوء على أسباب قراءتهم لهذه النوعية التي يراها البعض لا تستحق العناء.
بالنسبة لي وبناءاً على اخر قصة خيالية أتممت قراءتها وهي الهوبيت، وهي من الروايات التي يرى بعض من المهاجمين أن مشاهدة الفيلم المبني عليها كافياً وهو أمر غير صحيح لسبب بسيط وهو أن المخرج بيتر جاكسون حذف وأضاف وعدل الكثير لتتناسب مع فن السينما.
رواية الهوبيت تحكي عن بيلبو باجنز الذي يعيش حياة مستقرة وهادئة الى حد الملل والذي فوجئ كما يعرف الجميع بساحر من معارف عائلته يقتحم منزله بصحبة ثلاثة عشرة قزما من مناجم الجبال ليسحبوه بشكل مفاجئ من حياته الهادئة في قرية هوبيتون الى مغامرة لقتل تنين واستعادة كنز مقابل نسبة من الكنز.
وخلال الرواية وأحداثها الخيالية التي كاد أبطالها يموتون لأكثر من مرة وبأكثر من طريقة وانت تقرأها في غرفة منزلك المريحة الشبيهة بحفرة الهوبيت الخاصة ببيلبو تتعلم أن للحياة الهادئة ضريبة وهي الملل الشديد والاصابة بسكتة قلبية حال حدوث أقل مفاجأة وأن لحياة المغامرة ضريبة وهي الخطر الدائم واحتمال الموت بطرق اكتر ألما وسوءا من السكتة القلبية الناتجة عن المفاجأة.
تتعلم أيضاً أن ترتيب أولوياتك، فملك الجن(الالف) رغم كراهية للأقزام كان سجاناً كريماً معهم، لم يحرمهم الطعام ولا الشراب لأنهم ببساطة ليسوا أعداءه، العناكب الكبيرة وذئاب الوارج والجوبلين والمشعوذ الذي يعيش على أطراف غابته هم الأعداء.
تتعلم كيف تتعامل مع الشخصيات الصعبة كما تعامل السحر جاندالف مع الرجل الدب بيورن المشهد الذي اختصره بيتر جاكسون في الفيلم لدرجة اصابت معجبي تولكين بالاستياء.
تتعلم أيضاً أن العدو المشترك (الجوبلين) يمكن أن يوحد أسوأ الخصوم مثلما حدث في معركة الجيوش الخمس.
وتتعلم ان العند والجشع قد يصنعوا مصائب لا أدري ان كانت المصيبة التي اتحدث عنها ستظهر في الفيلم أم لا لكن لا يمكنني الإفصاح عن المزيد.
وغير هذا كله وبينما اقرأ أنا هذه الرواية في منزل أسرتي الهادئ المريح أضع كل موقف صعب مر به أبطال الرواية في سياق حقيقي واسأل نفسي: ماذا تفعلين لو حدث لكي هذا؟
الفرق هنا بين تولكين وبين كتاب القصص الواقعية ان تولكين ومن خرجوا من عباءته من كتاب الخيال وضعوا القيم والمبادئ الإنسانية وكل الدروس التي لا يتعلمها الانسان الا بالمعايشة او بالتخيل المستمر في سياق خرج بالكامل من خيالهم. ألا يستحقون بعد ذلك بعض الشكر والتقدير؟

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s