ذكريات 92: ذكريات فتاة من عائلة طبيعية نسبياً في مدينة آمنة نسبياً في فترة زمنية من الاستقرار والرخاء النسبي من زلزال 1992 القاهرة

الفصل الأول
الظروف المحيطة بها اثناء الزلزال
تأتي ذكرى زلزال القاهرة سنة 1992 في المركز الثاني من حيث القدم في ذاكرتها مباشرة بعد ذكرى مصيف الاسكندرية مع والدتها التي كانت في هذا الوقت الحبلى وجدتها لأمها وخالها الذي كان في هذا الوقت مراهقاً وخالتها الحسناء وكان الوالد حينها في مهمة عمل بين ثلوج روسيا (وقت المصيف مش وقت الزلزال).
كانت في الثالثة، جميلة، وسعيدة، ومحبوبة، وكثيرة الحركة، ولديها دمية حية عمرها عام أخبرها الجميع أنها شقيقتها الصغرى وأنها هي نفسها ذلك الشيء الذي تسبب في تضخم بطن والدتها لفترة من الفترات ،وكان مقر اقامتهم بناية من خمسة طوابق (اذا حسبنا الطابق الارضي) مملوك لعائلتها في أحد احياء القاهرة القديمة، كل طابق يحتوي على ثلاث شقق صغيرة، سكنت هي واسرتها المكونة من والدها الكادح الذي يعمل بوظفيتين وامها المعلمة السابقة وربة البيت الحالية وهي والدمية الحية ذات العام الواحد التي يخبرها الجميع بأنها شقيقتها في الطابق الاخير، بينا سكنت احدى عماتها في الشقة المقابلة لهم مع زوجها الموظف الحكومي وابنها وابنتها، وسكنت جدتها لأبيها الارملة الوحيدة وعمها وزجته وبناتهم الثلاثة (احمد ماكنتش لسة اتولد ساعتها) في شقتين متجاورتين في الطابق اسفلهم تماماً.
واقام والدا امها على مقربة منه في بيت قريب من مقام ام الايتام السيدة فاطمة النبوية بنت الامام الحسين فوق محل العلافة(العلافة هو الاسم المتعارف عليه في مصر لتجارة الحبوب والغلال وممارسها يسمى العلاف) المملوك سابقا لجدها وحاليا لعمها، وامام محل الادوات المكتبية المملوك لوالدها ومقر وظيفته الثانية التي قامت ولا تزال تقوم بتغطية معظم نفقات الاسرة، وعلى مقربة منهم تعيش عمتها الثانية وخالتها الصغرى المتزوجة حديثا بينما تفرق باقي انحاء القبيلة بين الجمالية وفيصل(قبيلة الاب) والمعادي وبولاق الدكرور ومحافظة الشرقية(قبيلة الأم).

الفصل الثاني
ظروف البلد
وبما أن أحداث هذه القصة دارت قبل بضعة أعوام من مذبحة الاقصر فبالطبع ظروف البلد كانت كالاتي:-
السياحة على افضل ما يرام وبالتالي الحالة الاقتصادية جيدة نسبياً وسوق العقارات في ارتفاع مستمرة.
طبعت ازمة السكن لها جذور من هذه الفترة لكنها تلخصت في العائلات التي تسكن احواش القبور(امر لا تراه الا في القاهرة الكبرى).
العشوائيات كانت مجرد شبح او شائعة في هذه الايام لم تتحول لحقيقة الا بعد الزلزال.
اصداء مشاركة مصر في حرب الخليج لا تزال مرتفعة والدولة الوحيدة التي رفضت حكومتها تصفير ديون مصر هي بريطانيا العظمى التي عللت رئيسة وزرائها هذا القرار بأن المصريين لديهم في بنوك لندن ما يغطي ديونهم وهو قرار طبيعي من سيدة وطنية مثل المرأة الحديدة (عندما كبرت الفتاة عرفت ان العيب مش في المرأة الحديدة لكن العيب في ناس من بلدها فمن حق حكومة اي بلد ان تسمح لنفسها ان تكون مسرحا لغسيل أموال لصوص من بلاد اخرى).
وبما ان هذا حدث قبل ستة اعوام كاملة من اطلاق الوحش الفضائي المصري الرهيب النايل سات والذي قامت مصر بسداد ثمنه على مدار 23 سنة منذ ان تعاقدت عليه السبيعنات فبالطبع لم يكن يوجد الا الاعلام الرسمي.
صباح الخير يا مصر اساسي ومن خلاله الاغنية الرائعة يا حلو صبح يا حلو طل للمطرب الشعبي محمد قنديل(واه محمد قنديل بمقاييس زمنه مطرب شعبي وكل اغانيه اغاني شعبيه واغانيه هي اصلا مقاييس للاغنية الشعبيه المحترمة).
عالم الكرتون على القناة الثالثة واغاني شيري عادل لما كانت صغيرة.
البرامج التي تعلم الاطفال كيفية صنع كروت المعايدة وغيرها من الاشياء اليدوية الصغية والجميلة (النوعية دي من البرامج اختفت حاليا من التلفزيون).
نشرة التاسعة مساءاً.
بعض المسلسلات الكوميدية على القنوات المحلية.
وبعض المسلسلات الميلودرامية التي تتناول الثلاثي الدرامي المبتذل العتيق (الزوج،الزوجة،العشيقة واللي هي غالبا بتبقى الشغالة).
وطبعا قصة كل بيت مصري مع اريال التلفزيون معروفة.
وبالطبع التسعينات هو مسلسلات رمضان المحدودة العدد لكن الجيدة الجودة.
وطبعا عصر بوجي وطمطم وشريهان ونيلي وجدو عبده وعمو فؤاد.
ومهرجان القراءة للجميع الذي حبب كثير من ابناء جيلها في القراءة(الحاجة الوحيدة الكويسة اللي الست ام علاء عملتها في مسيرتها العملية كسيدة اولى وتقريبا هي دي نفسها الحاجة اللي اتسببت في الثورة اللي وقعتها لأن اللي عملوا الثورة هما نفسهم اللي اتأثروا بدعايا المهرجان وقروا كتير وفهموا).
جمال مبارك لم يكن قد اطل علينا بحضوره الكاريزمي وطموحه المدمر وحبيب العادلي كان مدير جهاز قمل الدولة(وضع القاف واللام مقصود وليس خطأ املائي ولا مشكلة في لوحة المفاتيح).

الفصل الثالث
الزلزال
كما أسلفنا الذكر كانت هي الثالثة في عمرها.
قادرة اللعب والضجة مساحة شقتهم الضيقة.
قادرة على التغلب على حر القاهرة بشرب الكثير من المياه.
قادرة على الاحساس بوجود والدها ذلك الذي يكافح ليظهره رغم عملها بوظيفتين لكل منهما الكثير من المتطلبات.
قادرة على التصالح مع واقع انها لم تعد وحدها وان الدمية الحية ذات العام الواحد قد اصبحت  شريكتها في جنتها الصغيرة.
وغير قادرة على استيعاب تعقيدات العالم ولا تعقيدات مجاورة اقارب الزوج تلك التي تخلصوا منها بعد بضعة اعوام من حدوث الزلزال.
حدث هذا كما يعلم الجميع في الساعة الثالثة وتسع دقائق عصر يوم الثاني عشر من شهر اكتوبر عام 1992.
كل ما تذكره من هذا اليوم هو الاحساس بذراع والدها اليمنى تحيط جسدها بالكامل بينما تحيط ذراعه اليسرى بشقيقتها الصغرى.
سمعت الناس يصرخون: “زلزاااااااااااااااااااال .. زالزااااااااااااااااااااال”.
لم تكن تعرف ما معنى كلمة زلزال اصلا.
حمل والدها لها بهذه الطريقة وجريه على درجات سلالم المنزل القديم جعلتها تعتقد انه يلعب معها فالطالما جرت على هذه السلالم صعودا ونزولا في هذه الفترة وزحفة عليها ايضا من باب اللعب وظنت ببرائتها الطفولية المضحة ان والدها مثلها يجري على السلالم حاملا ايها وشقيقتها ليلعب.
لهذا أرادت ان تنزل من ذراعه لتجري على السلم.لتلعب.
وبالفعل تمكنت من النزول من الذراع والدها تاركة اياه يحمل بذراعيه الاثنين شقيقتها الرضيعة.
وعندما لمست قدماها الحافيتان بلاط السلم وشعرت بالاهتزازات ذات الخمسة درجات فاصل تسعة من العشرة بمقياس ريختر تحت قدميها أدركت أن الزلزال ليس لعبة وأن والدها لم يكن يلعب، وشعرت بما على الانسان الطبيعي الشعور به حين حدوث زلزال بهذه القوة.

الفصل الرابع والأخير
توابع الزلزال ونتائجه
بالطبع كأي زلزال بهذه القوة كان له توابع أحيانا اتبعت والدتها نصائح التلفاز وجلست بالطفلتين تحت منضدة السفرة التي لم يكن لها اي فائدة او استخدام حتى هذه اللحظة، وأحياناً أخرى اصابت المعلمة السابقة عدوى الخوف فركضت بطفلتيها الى الممر المتسع الذي يفصل المنزل عن الشارع والذي ازدحم بسكان منزلها والمنزلين الاخرين المطلين عليه والذي تم استخدم في السابق كقاعة افراح لأهل المنطقة أحياناً وكمقر لماسح الأحذية المشهور في المنطقة دائماً، وقد استغلت الطفلة ذات الثلاثة أعوام الفرصة لتطلب من والدتها الذهاب لمنزل الجدين القريب.
وكأي زلزال بهذه القوة كان له خسائر ونتائج وقد انحسرت خسائره في محيطها الصغير على كسر في ساق ابنت عمتها المقيمة في الشقة المقابلة لها وقد تعافت ابنت العمة وهي الان متزوجة ولديها ولدين وحتى كتابة هذه السطور كانت حبلى، وكسر في ذراع  ابن عمتها الثانية وقد تم تجبيس يده بطريقة خاطئة غالبا بسبب الضغط وكثرة اعباء اطباء العظام في هذا الوقت فاضطروا لكسر ذراعه واعادة تجبيسها من الجديد وقد تعافى وهو الان متزوج.
وعليه فقد كانت خسائر عائلتها بسيطة ومؤقتة.
أما على المستوى الوطني فقد ترك الزلزال خلفه بـ 545 ميت و6512 مصاب و خمسون ألفا من المشردين حول وجودهم وسرقة الحكومة للأموال التبرعات التي خصصت لتوفير سكن بديل لهم شبح العشوائيات لحقيقة كارثية.
وقيل أن الأديب المصري يحيى حقي كان وقت حدوث الزلزال في المستشفى فلما حدث الزلزال ترك المستشفى قائلاً ان أحد مصابي الزلزال أولى بمكانه منه وتوفي رحمه الله وغفر له وتقبله مع الأبرار على عمل الخير هذا في التاسع من ديسمبر في نفس عام الزلزال.
أما الطفلة فقد أصبحت في وقت كتابة هذه السطور شابة تقدم لها الحياة احتمالات لا نهائية ويقدم لها عقلها اسئلة لا نهائية ويقدم لها طموحها أحلام وأفكار وآمال لا نهائية وهي تبحث في كل هذه اللانهائيات عن الخيارات الافضل التي تتسع لها حياة واحدة.
لكن يؤرقها بضعة : ماذا حدث بعد أن نزلت من ذراع والدها؟ وكيف ظلت صامدة ولم تصب أو تمت على درجات السلم في وسط الكارثة والفوضى الكارثية؟ أين كانت والدتها؟ سبقتها الاسفل ام كانت خارج المنزل أم كانت تساعد المرأة العجوز في الشقة المجاورة على النزول؟ أم ماذ؟ وهل يا ترى سلم والدها في صلاة العصر ذلك السؤال الذي يؤرقه هو حتى الان؟
على الارجح لن تذكر أبداً.
ومن يلوم على ذاكرة الأطفال اذا دفنت عمداً مآسٍ مثل هذه؟
القاهرة،مصر
2 ابريل 2014
2 جماد الاخر1435

ملاحظة هامة

تم نشر هذا العمل على نادي روايات وموقع الجود ريدز وجروب ماذا تكتب هذه الأيام على الفايسبوك وقد لاقى قدر من الاهتمام المحدود والطناش النسبي لهذا أعيد نشره هنا

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s